ابو القاسم عبد الكريم القشيري

543

الرسالة القشيرية

في كل ما يشير عليه ؛ لأن الخلاف للمريد في ابتداء أمره عظيم الضرر ؛ لأن ابتداء حاله على جميع عمره . ومن شرطه : أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه ، فإذا خطر ببال المريد أن له في الدنيا والآخرة قدرا أو قيمة ، أو على بسيط الأرض أحد دونه لم يصح له في الإرادة قدم ، لأنه يجب أن يجتهد ، ليعرف ربه ، لا ليحصل لنفسه قدرا . وفرق بين من يريد اللّه تعالى وبين من يريد جاه نفسه ، إما في عاجله وإما في آجله ، ثم يجب عليه حفظ سره حتى عن زره إلا عن شيخه ، ولو كتم نفسا من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته ، ولو وقعت له مخالفة فيما أشار عليه شيخه ، وجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت ، ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه عقوبة له على جنايته ومخالفته ، إما بسفر يكلفه ، أو أمر ما يراه . ولا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين ، لأن ذلك تضييع لحقوق اللّه تعالى ، وما لم يتجرد المريد عن كل علاقة لا يجوز لشيخه أن يلقنه شيئا من الأذكار ، بل يجب أن يقدم التجربة له ، فإذا شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحينئذ يشترط عليه أن يرضى بما يستقبله في هذه الطريقة من فنون تصاريف القضاء ، فيأخذ عليه العهد بأن لا ينصرف عن هذه الطريقة بما يستقبله من الضرر والذل ، والفقر والأسقام والآلام ، وأن لا يجنح بقلبه إلى السهولة ، ولا يترخص عند هجوم الفاقات وحصول الضرورات ، ولا يؤثر الدعة ، ولا يستشعر الكسل فإن وقفة المريد شر من فترته . والفرق بين الفترة والوقفة أن الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها ، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات الكسل . وكل مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجئ منه شئ . فإذا جربه شيخه ، وجب عليه أن يلقنه ذكرا من الأذكار على ما يراه شيخه فيأمره أن يذكر ذلك الاسم بلسانه ، ثم يأمره أن يستوى قلبه مع لسانه ، فيقول له : أثبت على استدامة هذا الذكر كأنك مع ربك أبدا بقلبك ، لا يجرى على لسانك غير هذا الاسم ما أمكنك ثم يأمره أن يكون أبدا في الظاهر على الطهارة ، وأن لا يكون نومه إلا غلبة ، وأن يقلل من غذائه بالتدريج شيئا بعد شئ حتى يقوى على ذلك ،